هل سيأتي اليوم الذي لا نموت فيه؟ || الخلود البيولوجي


يبلغ متوسط عمر الإنسان حول العالم بين الـ 50 والـ 89 سنة , ولما كانت الحياة البشرية تسعى للرفاهية الآن أكثر من أي وقت مضى في تاريخها, فهل 89 سنة أو حتى 120 سنة كافية للتمتع بهذا الكوكب الذي يتعافى يوما بعد يوم, قبل النهاية الحتمية لكل إنسان: الموت.. ؟

وهل فكرت مرة بأنك تريد أن تعيش لـ 1000 سنة أو حتى أكثر؟

لا تعدّ الولادة لغزا مخيفا كالموت:

قدر الكائنات جميعها -ومنها الإنسان- أن تولد, ومصيرها أن تموت.. وهذه مسألة طبيعية إذ أننا إلى هذا اليوم لا نجد مفرّا منها, وبالنسبة لباقي الكائنات, فلا يهمها تلغيز الولادة أو الموت, بالرغم من أن بعض الحيوانات مثلا يحزن على فقدان أحد أفراد المجموعة عند موته, لكن لم نرى فيلا قام برحلة حول العالم باحثا عن الخلود! بل إن الخلود لا يعنيهم بشيء..

وبالنسبة للإنسان فالولادة لا تعنيه كثيرا أيضا ولا تخيفه, فهي معروفة ومفهومة! إذ يولد, فهو يأتي من مكان معروف آمن إلى حضن أبويه, لكن عندما يموت! فهو لا يعرف إلى أين سيذهب, أكثر ما يعرفه بأنه سيفقد الحياة, وفقط!

فيقف ابن المعرفة (الإنسان: وأقصد الإنسان المفكر) حائرا أمام لغز الموت وخائفا, وباحثا منذ فجر التاريخ عن حل هذا اللغز..

ومن الناس من يظن بأن هذا اللغز لا يعنيه بشيء, لكن إذا انتبه ودقق في حياته سيجد بأنه لا شك مؤمن بفكرة ما يعتبرها جوابا له: "بعد الموت يوجد عالم البرزخ إلى أن تحين الساعة فيبعث الناس من جديد", أو " تنتقل الروح بعد موت الجسد إلى حياة أخرى في جسد جديد (التناسخ) ", أو "تنتقل مباشرة إلى الجنة أو الجحيم", أو"تعود الروح إلى النعيم الأبدي (الوعي الأسمى)" .. إلخ



لم يعد أحد بعد ليخبرنا الحقيقة – محمود درويش.. فيلسوف الشعراء


 فلما كانت هذه الفلسفات غير قابلة للتحقق, ومن خلال البحث في الفضاء والابتعاد أكثر من سماء كوكبنا وعدم إيجاد مكان قد يسمى "الجنة" أو مكان قد يسمى "الجحيم" , فالغالب إلى الآن بأننا بعد الموت نعود إلى ما كنا عليه: غبارا كونيا..



إن صديقي ميْتٌ ويصعب علي إقناعه بتناول الطعام - نيتشه.. شاعر الفلاسفة


ولا يهم في الحقيقة ما هو المكان الذي قد نذهب إليه بعد الموت, فمع التطور التكنولوجي الذي تشهده هذه الحقبة البشرية قد يهمنا أكثر أن يأتي اليوم الذي لا نموت فيه!

ولتوضيح آلية الخلود يجب التساؤل بداية حول: ما هو الذي سينال الخلود؟ الجسد أم الروح (إن كان للروح معنى دون الجسد)؟ أم كلاهما؟

الجسد أم الروح؟ أم كلاهما؟

للإجابة, أدعوك بداية لمشاهدة هذا الفيديو المضمن المقدم من قناة Ripples والذي يلخص أهم التساؤلات وأكثرها حداثة حول مفهوم الذات

تكمن قضية التعريف للذات في التساؤل المطروح: ما الذي يجعلك أنت الشخص نفسه الذي كنته منذ خمس دقائق؟ أو منذ عشر سنين؟ وجوابه في جوابك عن التساؤل الأخير: لو قمنا بتبديل ذكرياتك (فلنقل ذلك الجزء المتعلق بماضيك الخير) مع ذكريات قاتل متسلسل مثلا, أو أي شخص تعتبره قام بعمل لا أخلاقي (الجزء منها المتعلق بماضيه الشرير) وبعد أن صار ماضيه ذاك في رأسك تم تخييرك بين تعذيب أحدهم ومكافأة الآخر, فمن تختار؟ أعتقد بأنك لن تسمح لجسدك أن يحمل مسؤولية المعاقبة لذكريات قاتل متسلسل.. أليس كذلك؟

وآلية الإجابة الأخلاقية الدقيقة باعتقادي ستكون: في اللحظة التي تم تخييرك فيها, ووفقا لما تبقى من الخير في ما تبقى من ذاكرتك, ستحاول البحث عن الطريقة المثلى لنجاة الشخصين. أي أن: في هذه اللحظة التي يواجه فيها إدراكك الكامل (البيولوجي والنفسي) هذه المسألة ستكون ذاتك موجودة, مخلوقة, وتُخلق وتتكون, وتقرر مستعينة بالذاكرة وبالتصورات حول المستقبل وفقا لهذه الذاكرة, بآلية معينة.

إذا لا بد للحديث عن الذات وتعريفها من الحديث مباشرة عن الذاكرة.

ذاكرتك = خبراتك المتراكمة = أنت:

الدماغ البشري معقد جدا ويقوم بصناعة منتج أعقد منه في الحقيقة وهو: الذات.

فتنتج الذات عن الدماغ (البيولوجي) لتصير شيئا فشيئا دماغا ذاتيا! أقصد بهذا المصطلح "دماغا ذاتيا" تلك الأنا التي تخول الشخص بأن يقول: أنا اعرف, أنا لا أريد, أنا أحب, أنا أصنع, أنا لا شيء... إلخ متناسيا عن غير قصد أن لدماغه البيولوجي ولذاكرته المخزنة الدور الأول في ما تريده أناه!

ثم تتطور الذات لتصير هي الآمرة الناهية, وفي هذه المرحلة المشوشة من فكر الإنسان (أقصد بقية حياته التي يرى فيها أناه وذاته بعيدا عن جسده البيولوجي) يصير عمل الذات نائبا عن عمل الدماغ والذاكرة معا في كل لحظة وفي عالمين منسجمين ومتآزرين, عالم الوعي, وعالم اللاوعي, ولكن إذا انتبهنا قليلا نرى بأن الذاكرة من آليات الدماغ (البيولوجي) الهامة جدا التي تبقى الأساس لعمل الذات في المستويين: الواعي واللاواعي في الوقت نفسه تقريبا, وفي كل لحظة..

تحدث الأمور هكذا: يصادف الكائن البشري أمامه حادثة ما, يدركها بحواسه, يترجمها في دماغه وفق مبدأ الأرشفة, أي: يبحث الدماغ عن حادثة مشابهة سابقة في الذاكرة, فإن كان لديه إحداها يقوم باختيار ما يعرف بأنه مناسب للتفاعل مع هذه الحادثة وفقا لتجربته القديمة المخزنة, وإن لم يكن لديه ستتلاعب قليلا التصورات في قراره, ولكنها مهما تلاعبت سيكون قراره تجاه ما يعترضه أساسا جديدا للذات الجديدة التي تُخلق أمام هذه الحادثة, وهدفها الأساسي بالطبع: النجاة بأقل الخسائر.. (ملاحظة: ما زلت أقول "هدفها" معتبرا بأن الذات ما تزال ناسية للجسد البشري كآلة تتآزر وتعمل معا للهدف ذاته: النجاة)

ولا يتوقف الدماغ بالطبع عن العمل, فبعد تجاوز الحادثة السابقة (إن لم تنته بالموت) سينقلها فورا إلى أرشيفه (ذاكرته) ويضع عليها ختما: تم التعامل معه سابقا.. وستظن "الذات" بأن لها استمرارية ما, ولن تنتبه إلى انها صارت ذاتا جديدة!

رغم تطور حياتنا وتعقيدها, وتغاير الأهداف يبقى البحث عن النجاة هو من أهم الأسس التي تطور عليها وما يزال يعمل في سبيلها الدماغ بآلياته المتعددة ووسائله وأهمها "الذاكرة", وإذا عدنا إلى جواب التساؤل الأخير فيما يخص التخيير بين التعذيب الجسدي والمكافأة نلمس حقيقة أن الدماغ والذاكرة يتآزران معا في كل لحظة, وينتجان معا: الذات الجديدة.

إذن, فمن قد ينال الخلود؟

 إنها الذاكرة بلا شك إن استطاعت أن تجد القدرة على البقاء الفيزيائي:

إننا نعرف الآن بأن الذاكرة ماديا هي بروتينات يتم بناؤها في المشابك بين الخلايا العصبية, وكلما عرفنا عنها أكثر سنعرف أكثر أيضا كيف نستطيع نقلها! إذن, فالخلود صار قريبا جدا, كيف ذلك؟ ببساطة, نقل الذاكرة كاملة إلى جسد جديد. وتصير المسألة أسهل إذا قلنا: نقل الجهاز العصبي كاملا, وكي لا نبدأ بالجدلية الأخلاقية حول ما هو هذا الجسد, نستطيع الاستعانة بطابعة ثلاثية الأبعاد (اقرأ فقرة: Bio-printing) تقوم بطباعة جسد خالد أيضا!

وماذا لو استخدمنا الطريقة الأكثر فاعلية, والتي انطلقت بواكيرها في العام 2010 والتي يبدو بأن الطريق نحوها شديد البطء ولكنه واعد فعلا: "التصنيع الحيوي"

لقد كان تصنيع أول خلية حية في عام 2010 الخطوة الأولى نحو صناعة الأعضاء الحيوية, فماذا لو تم صناعة نسخة مشابهة للجسد, ثم تم حقن (حقن بالمعنى المجازي, أي بطريقة أو بأخرى "تركيب") الجهاز العصبي كاملا في هذه النسخة البيولوجية لتصير الذات القديمة ذاتا جديدة في هذا الجسد الجديد الذي قد يعيش 89سنة أخرى؟ ثم في جسد جديد 89 سنة أخرى؟ ثم في جسد جديد 89سنة أخرى؟ هل سيبقى مصير الإنسان الحتمي: الموت؟

هذا التصور عن الخلود البيولوجي ما يزال فتيا, ولكن يبقى تنفيذه برسم الإرادة البشرية في تحولها عن الحروب وإنفاق مليارات الدولارات في سبيل الصناعات الحربية إلى الاستكشاف والبحث العلمي..

 


إذا أعجبك الموضوع شاركنا بتعليقك ونشر الموضوع

83
3
83 shares, 3 points

What's Your Reaction?

Angry Angry
1
Angry
Cute Cute
2
Cute
Fail Fail
0
Fail
Geeky Geeky
1
Geeky
Lol Lol
4
Lol
Love Love
5
Love
WOW WOW
7
WOW
Win Win
2
Win
WTF WTF
0
WTF

هل سيأتي اليوم الذي لا نموت فيه؟ || الخلود البيولوجي



OR


Note: Your password will be generated automatically and sent to your email address.

Forgot Your Password?

Enter your email address and we'll send you a link you can use to pick a new password.

log in

مرحبًا بك - قم بتسجيل الدخول

ليس لديك حساب؟
sign up

reset password

إعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك

الرجوع إلى
log in

sign up

انضم إلينا الآن

الرجوع إلى
log in

Choose post type

News Image List Video
اختر نوع الموضوع الذي تريده ..
مقال
قم بكتابة موضوعك من هنا.
قائمة
اضغط هنا لتقوم بنشر قائمة من المعلومات القصيرة.