ماذا لو كان عليك عبور النهر وحدك؟


من سلسلة "تكوين المعارف" || الجزء الأول:

ماذا لو كان عليك عبور النهر وحدك؟

لو كنت تمشي في غابة موحشة ومعك صديقك, وصادفكما نهر, وكنتما تعرفان بأن الضفة الثانية هي الضفة الواعدة بنهاية رحلتكما المتعبة الطويلة, ولكنكما مختلفان في تفاصيل عبور هذا النهر, وبعد مباحثات على الضفة الأولى وصل الشقاق بينكما إلى درجة أن صديقك لم يعد يريد عبور هذا النهر, فهل تبقى في الغابة الموحشة خائف على حياتك في كل لحظة أم تعبر النهر وحدك؟

سنسقط هذا المثال على حياتنا اليومية, ولا خلاف بين أي منا على أن عالمنا اليوم ما هو إلا غابة موحشة, نعيش فيها مرغمين وخائفين بكل لحظة من أن يقوم أحدهم بتقرير موتنا, ويتعداه الأمر إلى من يقرر حتى سلوكنا وأفكارنا وحتى في بعض الأحيان أحلامنا, ولا شك أيضا بأننا نريد عبور النهر إلى الضفة الأخرى الأكثر سلامة, والأكثر وعدا بحياة كريمة.. وهنا يطرح السؤال نفسه: من المسؤول عن هذا الانتقال؟

في مثالنا ذاك, فإن الضفتين والنهر موجودان (فيزيائيا أقصد) ولم يقم أحد بخلقهما أو إيهام الآخرين بوجودهما, فأنت مع صديقك عند الحافة الأخيرة للضفة الأولى, وتفكران بالانتقال إلى الحافة الأولى للضفة الجديدة..

وفي حياتنا أيضا فإن الضفتين والنهر موجودان, ولا أحد يختلق وجودهما فالضفة الأولى هي الماضي, والضفة الجديدة هي المستقبل, وهذا النهر هو الآن الذي علينا عبوره.. 

النهر والضفتان موجودان فيك:

هل تستطيع أن تلاحظ أن النهر والضفتين موجودان في داخل كل واحد منا؟

بالطبع, وصديقك الذي تحاوره عند كل انتقال من ضفة إلى ضفة جديدة هو أنت ذاتك (عالمك الداخلي) فمن المسؤول إذا عن الانتقال؟ أليس أنت ذاتك؟

يبدو الكلام هنا مشابها لأحاديث "التنمية البشرية" ذاك "النصف عِلْم" الذي يسعى دائما لإقناعنا بأن كل الألوان في الحياة هي اللون الوردي, وبأن الغابة ليست موحشة, لكن ما أتحدث عنه هو المسؤولية في عبور هذا النهر الذي ندعوه (الآن), وذلك يصبح يسيرا جدا ما أن نلاحظ بأنه منفصل تماما عن الماضي, لا أسعى إلى إجهادك في اعتباره منفصلا كما يفعل خبير في "التنمية البشرية" بل أنا أخبرك قطعاً بأنه منفصل.

فكر في المثال التالي:

تمسك بفنجان قهوتك وترتشف منه رشفة وتعيده إلى مكانه, ثم تمسكه وترتشف وتعيده, وتمسكه وترتشف منه وتعيده, وهكذا إلى أن ينفد كل ما فيه, هل ستشرب الرشفة مرتين؟ أم أن ما شربته لن يعود ثانية إلى الفنجان؟

ماذا تطلق هنا على الرشفة الأولى؟ أنا سأسميها الولادة, هل يرضيك ذلك؟ طيب, والثانية والثالثة والرابعة: إنها ما بين الولادة والموت, والأخيرة هي النهاية..

والآن, فكر بالرشفة الثانية من حياتك, (ودعنا نسميها: مرحلة الطفولة), رشفتك من فكر ومعتقدات المحيطين بك, من فنجان حياتك..

كلنا يدرك مدى أهمية هذه المرحلة فقد قامت عائلتك بصناعة فنجان القهوة ذاك, وعلموك كيف ترتشف منه رشفة طفولتك, ففي هذه المرحلة لا تعدو مسؤوليتك عن التكرار والطاعة, وكي لا تطول بك هذه المرحلة كثيرا عليك الانتباه –خاصة إذا عرفت بأن من صنع لك فنجان القهوة ذاك لم يكن خبيرا بصناعة القهوة- إلى وجوب الانتقال إلى المرحلة التالية, فلا تدع أحدا يأخذ فنجانك –مهما كان طعمه مرا- من نصب عينيك ويقوم بإخفائه عنك لتأخيرك عن ارتشاف مرحلة الشباب! 

آن لنا أن ندرك بأن الطفولة ليست الرشفة الوحيدة.. فصار علينا أن نرتشف الثالثة, منطلقين في رحلتنا الجميلة (مرحلة الشباب) لصقل ذواتنا ومعارفنا قبل أن نندم عند الرشفة الرابعة (الشيخوخة) على ما لم نفعله! إن طعم الندم أمر من طعم الخوف في الانتقال وتجريب ما هو جديد أليس كذلك؟!

وانتبه إلى أنك لن ترتشف الماضي أبدا.. لن تشرب مرحلة الطفولة مرتين, ولا مرحلة الشباب, ولا مرحلة الشيخوخة.. 

وهنا أريد العودة إلى الضفتين والنهر, وأسأل: لماذا لم ينتقل صديقك معك؟

في الحقيقة, ربما أنت حتى لم تنتقل بعد! لا يجب أن يفاجئك هذا كثيرا, فهو أمر طبيعي جدا, إن ذاتك تكون الصديق الذي تقدسه أكثر من نفسك, وتخشى خسارته أكثر مما تخشى من التجديد, فالانتقال المفاجئ بين اعتقاد معرفي وآخر أمر دقيق وحساس جدا, إذ يصل بأعماقنا إلى تشويش كبير في تمايز الماضي والحاضر عن بعضهما, فيصبح في لحظة كزوبعة في فكرنا تعبث بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا معا دون أن ننتبه إلى أهمية فصل الماضي عن المستقبل في هذه اللحظة التي تسمى الآن..

إن ماضينا هو الحقيبة الخاصة بنا والتي خبأنا في جيوبها أهم تجاربنا  وقراراتنا المتخذة على أساس نتائج هذه التجارب الشخصية (ولا أريد تعذيبك أكثر إن شرحت لك عن وهم الإرادة الحرة, فتعرف بأن تجاربك الشخصية تلك لم تكن شخصية أبدا بل كانت تكرارا لتجارب بيئتك ومجتمعك, وكانت محكومة بظروفك المعيشية, بس حتى بشرطك البشري.. فأنت بشري يا صديقي ولن تصير طائرا مهما حلمت بالطيران) ولأننا –البشر- نعد كائنات عاطفية, يبقى الحنين إلى ذكرياتنا يؤرقنا عن كل رحيل عن ماض ما, إلى أي مكان كان, إلى المستقبل مثلا؟! فهل جربت مرة أن ترمي بحقيبة ماضيك في النهر لتصل إلى الضفة الجديدة جديدا كليا من كل الماضي المرهق؟

مخيف أمر الانتقال في كل لحظة إلى المستقبل, لكن مخيف أكثر الندم على ما لم نختبره, وجميل جدا أن نتساءل: ما الذي يجعلك تبقى أنت الآن ذلك الشخص نفسه الذي كان منذ خمسة دقائق؟*

إن أعجبتك هذه المقدمة تابع معي في انتظار الجزء الثاني, وسأتحدث فيه عن:

  • ما هو هذا المكان الذي قد نرحل إليه؟
  • الإرادة الحرة
  • التعميم القاتل

* هذا التساؤل تم طرحة في فيديو بقناة Ripples , وسأتحدث عنه في الأجزاء التالية


إذا أعجبك الموضوع شاركنا بتعليقك ونشر الموضوع

68
0
68 shares

What's Your Reaction?

Angry Angry
2
Angry
Cute Cute
0
Cute
Fail Fail
0
Fail
Geeky Geeky
2
Geeky
Lol Lol
1
Lol
Love Love
3
Love
WOW WOW
6
WOW
Win Win
1
Win
WTF WTF
1
WTF

Your reaction

NICE
SAD
FUNNY
OMG
WTF
WOW

التعليقات 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ماذا لو كان عليك عبور النهر وحدك؟



OR


Note: Your password will be generated automatically and sent to your email address.

Forgot Your Password?

Enter your email address and we'll send you a link you can use to pick a new password.

log in

مرحبًا بك - قم بتسجيل الدخول

ليس لديك حساب؟
sign up

reset password

إعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك

الرجوع إلى
log in

sign up

انضم إلينا الآن

الرجوع إلى
log in

Choose post type

News Image List Video
اختر نوع الموضوع الذي تريده ..
مقال
قم بكتابة موضوعك من هنا.
قائمة
اضغط هنا لتقوم بنشر قائمة من المعلومات القصيرة.