مدة القراءة

4 دقائق

جون لوك الفيلسوف والمفكر السياسي والداعي للتسامح الديني

54 قراءة

جون لوك هو فيلسوف إنجليزي ومنظر سياسي قام بوضع العديد من أسس التنوير وتقديم مساهمات رئيسية في تطوير الليبرالية، وقد تدرب في الطب، وكان من المدافعين الرئيسيين عن النهج التجريبي للثورة العلمية.

جون لوك حياته المبكرة ودراسته

نشأة لوك والتحاقه بمدرسة وستمنستر

ولد جون لوك عام 1632 في مدينة رايتون بالقرب من بريستول. كانت عائلته متعاطفه مع البيوريتانية (مذهب مسيحي) إلا أنها لم تنشق عن الكنيسة الإنجليزية. كان يبلغ عمر لوك 10 أعوام حينما بدأت الحروب الأهلية الإنجليزية بين ملكية تشارلز الأول والقوات البرلمانية بقيادة أوليفر كرومويل.

عمل والد لوك كمحام، كما أنه كان قائدًا في سلاح الفرسان لدى البرلمانيين. بعد انتهاء الحرب الأهلية الاولى عام 1646 استطاع والد لوك أن يحصل على مكان لابنه في مدرسة وستمنستر في لندن. انتقل لوك لتلك المؤسسة الشهيرة في سن الرابعة عشرة عامًا.

بالرغم من أن  الحكومة قد استولت على المدرسة، إلا أن مديرها “ريتشارد باسبي” كان ملكيًا. ظل لوك لمدة أربع سنوات تحت سيطرة وتعليمات باسبي. في يناير 1949 تم قطع رأس تشارلز بأمر من كرومويل، وبالرغم من عدم السماح للأولاد بحضور الإعدام، إلا أنهم كانوا على دراية بالأحداث الجارية بمكان قريب.

تركز منهج وستمنستر على اللاتينية واليونانية والعبرية والعربية والرياضيات والجغرافيا. في عام 1650 تم انتخاب لوك ليكون باحثًا للملك، وهو شرف أكاديمي بالإضافة إلى أنه أكسبه مزايا مالية جعلته يشتري الكثير من الكتب. بالرغم من أنه كان طالبًا متميزًا، ولكنه لم يستمتع بتعليمه، وكان يهاجم المدارس الداخلية نظرًا لتركيزها على العقاب البدني والسلوك الغير الحضاري للتلاميذ.

التحاق لوك بكلية المسيح في أكسفورد

في خريف عام 1652 دخل جون لوك كنيسة المسيح وهي أحد أكبر كليات جامعة أكسفورد. أفاد لوك لاحقًا بأنه وجد أن المناهج الجامعية في جامعة أكسفورد مملة وغير محفزة. كانت لا تزال إلى حد كبير جامعة من العصور الوسطى.

ركزت المناهج على منطق أرسطو، وتجاهلت إلى حد كبير الأفكار الجديدة المهمة بخصوص طبيعة وأصول المعرفة التي تم تطويرها في كتابات فرانسيس بيكون، ورينيه ديكارت وغيرهم من الفلاسفة الطبيعيين.

بالرغم من أن أعمال هؤلاء الفلاسفة لم تكن هي المنهج الرسمي، إلا أن لوك كان يقوم بقراءتهم. في عام 1656 تخرج لوك بشهادة البكالوريوس، ثم حصل على الماجيستير بعد ذلك بعامين.

أصبح لوك فيما بعد محاضرًا في كنيسة المسيح بأكسفورد، وقد كان يركز على المناهج القياسية للمنطق والميتافيزيقا والكلاسيكيات. درس لوك الطب على نطاق واسع، كما أنه كان زميلاً للعديد من علماء أكسفورد البارزين مثل: لوبرت هوك، وروبرت بويل وغيرهم.

لقاء جون لوك مع إيرل شافتسبري

في عام 1666 التقى جون لوك بالبرلماني أنتوني اشلي كوبي – الذي عُرف لاحقًا بإيرل شافتسبري الأول -. نشأت علاقة صداقة بين الاثنين وأخذت تزدهر بشكل كبير لتصبح رعاية كاملة، وبعد مرور عام تم تعيين لوك ليصبح طبيبًا لأسرة شافتسبري، وخلال نفس العام أشرف جون على عملية كبد خطيرة لشافتسبري والتي على الأرجح أنقذت حياة راعيه.

على مدى العقدين التاليين، صارت ثروات لوك مرتبطة بشافتسبري الذي كان في البداية رئيس وزراء لتشارلز الثاني ثم مؤسس الحزب اليميني المعارض. قاد شافستري حملة “الاستبعاد” عام 1679 لكي يمنع دوق يورك الكاثوليكي – جيمس الثاني مستقبلاً – من الحصول على الخلافة الملكية.

حينما فشل شافتسبري في تلك الحملة، بدأ في التآمر لعمل مقاومة مسلحة، وتم إجباره على الفرار إلى هولندا في عام 1682. قام لوك باللحاق براعيه إلى المنفى بعد مرور عام، ثم عاد فقط بعد أن وضعت الثورة “وليام الثالث” على العرش. (1)

منشورات جون لوك عن الفهم الإنساني

خلال فترة خدمة جون لوك لشافتسبري، انشغل جون بالكتابة. في السنوات الست التي أعقبت عودته إلى إنجلترا، قام بنشر كافة أعماله الأكثر الأهمية، ومن بين تلك الأعمال هي مقالة حول “الفهم الإنساني” عام 1689.

أوجز جون خلال تلك المقالة نظرية للمعرفة البشرية والهوية الذاتية التي سيكون لها تأثير كبير على مفكري التنوير. يرى لوك أن المعرفة ليست في اكتشاف الأشياء سواء الفطرية أو الخارجة عن نطاق الفرد، بل هي تراكم الحقائق المستمدة من التجربة الحسية.

اقترح لوك نهجًا على غرار الأساليب الصارمة للعلوم التجريبية يساعد الشخص أن يكتشف حقائق خارج نطاق الخبرة الرئيسية، وقد كان لهذا النهج تأثيرًا كبيرًا على الثورة العلمية.

جون لوك

آراء جون لوك بشأن الحكومة

قدمت “مقالتان عن الحكومة” عام 1960 نظريات سياسية قام جون لوك بتطويرها وصقلها خلال سنواته التي عاشها بجانب شافتسبري. رفض لوك الحق الإلهي للملوك، وقال إن المجتمعات تشكل الحكومات من خلال اتفاق متبادل، وبهذا حينما يفقد الملك موافقة المحكومين، يمكن للمجتمع أن يزيله.

قام لوك بتطوير تعريف للملكية بأنها نتاج لعمل الشخص الذي سيكون أساسًا لكل من رأسمالية آدم سميث واشتراكية كارل ماركس. كتب لوك أن الإنسان يمتلك ثلاثة حقوق طبيعية وهي: الحياة، والحرية، والملكية.

اقترح لوك في ثلاثة “رسائل حول التسامح” بين عامي 1689- 1692 أن الحكومات لابد لها أن تحترم حرية الدين إلا إذا كان المعتقد المعارض بمثابة تهديد للنظام العام. تم استبعاد الملحدين – الذين لا يمكن الوثوق بقسمهم – والكاثوليك – الذين يدينون بالولاء لحاكم خارجي – من مخططه.

لم يكن لوك بسماحته يحادل أن كافة المعتقدات (البروتستانتية) كانت جيدة أو صحيحة بنفس القدر، ولكن ببساطة كان يقول أن الحكومات ليست في وضع تستطيع من خلاله أن تحدد ما هو الصحيح من تلك المعتقدات.

آراء جون لوك بشان التعليم

في كتابه “أفكار تتعلق بالتعليم” عام 1693 جادل جون لوك بمنهج دراسي موسع ومعاملة أفضل للطلاب، وكان للأفكار تأثير كبير على رواية “Emile” لجان جاك روسو الصادرة عام 1762. تم اعتبار بعض أفكاره المتعلقة بالتعليم مصدرًا قياسيًا في فلسفة التعليم.

تطورت تلك الأفكار من سلسلة من الرسائل التي قام لوك بكتابتها من هولندا إلى صديقه إدوارد كلارك فيما يتعلق بتعليم ابن كلارك، الذي كان من المفترض أن يكون رجلاً نبيلاً ولكن ليس بالضرورة باحثًا. أكد لوك على أهمية كل من النمو البدني والعقلي من ناحية الممارسة والدراسة.

كان الشرط الأول هو غرس الفضيلة والحكمة والأخلاق الحميدة. وهذا يجب أن يليه تعلم الكتب. بالنسبة للتعلم، يقدم لوك قائمة بالنصوص الموصى بها بخصوص الجغرافيا والتاريخ واللغات اللاتينة والرياضيات، وكذلك القانون المدني والفلسفة والعلوم الطبيعية. كما قال أيضًا أنه لابد من وجود مجال واسع للترفيه مثل الرقص وركوب الخيل. (2)

سنوات جون لوك الأخيرة ووفاته

ظل لوك في هولندا إلى أن تمت الإطاحة بجيمس الثاني خلال الثورة، وعاد لوك في عام 1689 إلى إنجلترا. انخرط لوك عند عودته بالكثير من المشاريع السياسية مثل المساعدة في صياعة قانون الحقوق الإنجليزية، بالرغم من أن النسخة التي قام البرلمان باعتمادها لم تصل للحد الذي يرغب به لوك في مسئلة التسامح الديني.

تم عرض منصب دبلوماسي رفيع على لوك إلا أنه رفض. لم تكن صحة لوك جيدة، وعانى بشكل خاص من جو التدخين في لندن، ولهذا كان سعيدًا جدًا بقبول عرض صديقته المقربة داماريس ماشام لكي يمكث مع عائلتها في أوتس هاي لافير في إسيكس.

قضى جون لوك آخر 14 عامًا في إسيكس بمنزل السير فرنسيس ماشام، وقد أمضى سنواته الأخيرة في مراجعة الأعمال، والترفيه مع الأصدقاء، والرد بإسهاب على منتقديه. توفي لوك هناك بتاريخ 24 أكتوبر 1704 حينما كانت السيدة داماريس تقرأ له سفر المزامير.