إخوان الصفا : تأملات فلسفية حول تطور الحيوانات (الجزء الثاني)


قبل قراءة هذا المقال عليكم بقراءة المقدمة " تطور التطور في الشرق القديم " .. 
وقراءة الجزء الأول الخاص بهذا المقال "إخوان الصفا : تأملات فلسفية حول تطوّر النباتات

في المقال السابق تحدثنا عن الفلسفة الخاصة بتطور النباتات لدى إخوان الصفا، و التي رتبوها أو صنفوها تبعاً للبسيط ثم الأكثر تعقيدها، فالنباتات البسيطة هي متقدمة الوجود عن الأكثر تعقيداً و هكذا .. 
هذه هي نفس الطريقة التي صنفوا بها إخوان الصفا التطور لدى الحيوانات و هذا هو موضوع مقالنا اليوم .
 
الحيوان و تطوره :

حتى نكون على نفس المستوى الحواري يجب أن نذكرها مرة أخري و لكن بالنسبة للحيوان، صنف إخوان الصفا الحيوانات وفقاً للبسيط ثم المعقد و لكن كيف ؟
تصنيف الحيوانات جاء وفقاً لما يحوز عليه كل حيوان من حواس، فالأقل حواساً هو متقدم المتقدم الذي سبق الأكثر حواساً بكل تأكيد، فبكل تأكيد أصبح الأكثر حواساً الذي جاء بعد الأقل حواساً هو الذي تطور عن من قبله و هكذا.

ما هي تصنيفات الحيوانات بشكل عام من وجهة نظرهم ؟
 
الحيوان الذي تطور و أصبح حيواناً كاملاً، هو كل حيوان يتزاوج و يحبل و يرضع و يقوم بتربية الأولاد، أما الحيوانات الناقصة التي سبقت الحيوانات الكاملة هي كل حيوان  يبيض و يفرخ، و أما من تقدم على كل هؤلاء و التي تولدت من العفونات، هي كل حيوان لا يلد و لا يعيش سنة كاملة.

أما عن أسبقية العيش كانت لحيوانات الماء عن حيوانات البر، قد اتبع إخوان الصفا النهج الذي يقول بأسبقية حيوان الماء عن حيوان البر و ذلك لأن الماء قبل التراب والبحر قبل البر، تفسيرهم لهذا جاء بناءاً على اعتقادهم بأن كل هذه الأشياء إنما وجدت من أجل الإنسان لأنها في النهاية وجدت له و لأجله.

إستمر إخوان الصفا بتصنيف الحيوانات أيضا عن طريق الأجهزة التي يحتاجها كل حيوان عن غيره، فالحيوان الكامل يحتاج إلى أجهزة أكبر لكي تتواءم تلك الأجهزة مع حاجاته، كحفظ الذات و المحافظة على البقاء و دوام النسل و هكذا.

بناءاً على كل ما سبق سنقوم بسرد ترتيب الحيوانات و الذي سيكون كالتالي :

- حيوانات المرتبة الدُنيا (أي أدنى و أقل مرتبة) يضعون فيها الصدف و أنواع الحلزون، فهم يرون أنه مجرد جسم نباتي لأنه ينبت كما ينبت بعض النباتات، و ذلك أيضاً لأنه حيوان ذو حاسة واحدة.

- أما حيوانات المرتبة الثانية هي الحيوانات التي تمتلك حاستين فقط و التي وضعوا فيها الأميبا، لانها لا تحتوي إلا على حاستين فقط هما حاسة الذوق وحاسة اللمس.

- و في المرتبة الثالثة وضعوا لنا حيوان الخٌلد، و ذلك لأنه يمتلك حاسة الشم، إذا فهو لديه كل من حاسة الذوق و اللمس و الشم.

- و تحتوي المرتبة الرابعة على الحشرات، لأنها تمتلك أربعة حواس اللمس و الذوق و السمع و الشم.

- أما المرتبة الخامسة و الأخيرة هي الحيوانات التي تمتلك خمسة حواس و التي لا تضم الإنسان فقط و لكن كل الحيوانات التي تقترب منه من حيث الشكل و الطبيعة النفسية و ما إلى ذلك، فملثاً من هذه الحيوانات ما يشبه جسد الإنسان بشكل كبير مثل القرد، و منها ما قارب الإنسان بالأخلاق النفسانية كالفرس، و مثل الفيل في ذكائه، و الطيور التي اشتركت مع الإنسان في الأصوات و الألحان و النغمات .. و قد قالوا أيضاً أن ما من حيوان يستعمله الإنسان و يأنس به إلا و لنفسه قرب من نفس الإنسانية. 

بالطبع لا يستقيم عرض التطور لديهم دون التحدث عن مبدأ تنازع البقاء أو ما أسموه بتعبيرهم الحكمة الإلهية، كما ذكروا في أحد رسائلهم نصاً، “ و اعلم أنك إذا أمعنت النظر، وجودت البحث عن مبادئ الكائنات وعلة الموجودات علمت وتيقنت أن هاتين الحالتين، أعني شهوة البقاء وكراهية الفناء، أصل وقانون لجميع شهوات النفس المركوزة في جبلتها، وأن تلك الشهوات المركوزة في جبلتها أصول وقوانين لجميع أفعالها وصنائعها ومعارفها في متصرفاتها .. وإنما صارت هاتان الحالتان مركوزتين في جبلة كل الموجودات وجميع الكائنات من أجل أن الباري - جل ثناؤه - دائم البقاء لا يعرض له شئ من الفناء، صار من أجل هذا في جبلة الموجودات محبة البقاء وشهوته، وكراهية الفناء وبغضته، لأن في جبلة المعلول يوجد بعض صفات العلة، دلالة دائمة عليها، وإنما لا يعرض للباري - جل ثناؤه - شئ من النقص والفناء، من أجل أنه علة في الوجود لذاته، وبقاؤه من نفسه، وأما سائر الموجودات وجميع الكائنات فلوجودها أسباب وعلل، ومتى عدم منها شئ أو نقص عرض لها الفناء والنقص و القصور عن البلوغ إلى الحال الأفضل “، فقد قاموا إرجاع محافظة الكائنات على البقاء إلى سبب غير بيولوجي طبيعي، ولكن بربطها بعلة غانية بعيدة عن الكائنات ذاتها، وقانون المحافظة على البقاء هذا يطبقوه على الحيوان و الإنسان ويسوقون بعض الطرق التي توضح الحيل التي يلجأ إليها كل منهما حتى يتقي الأشرار.

كما نلاحظ أن درسات إخوان الصفا قد إتسمت بما يسمى بالروح العلمية، فقد إقتربوا بشكل كبير برغم من أنها رؤية فلسفية أكثر منها رؤية علمية، إلى وصف شبه دقيق للمفهوم العلمي للتطور في الوفت الحالي، فقد إستندوا إلى أن عامل الزمن و البيئة و أثرها الكبير على الكائنات جميعاً بما فيها النباتات و الحيوان و الإنسان وهذا ما قمنا بطرحه و توضيحه من قبل.

المثير من كل هذا الكلام الخاص بإخوان الصفا هو مخالفتهم لنمط الأفكار الإسلامية و المفكرين الإسلاميين و الفقهاء التقلديين في ذلك الزمن، هذا الإختلاف هو نتاج انفتاحهم على الثقافات الأجنبية و الدينية و العلمية المخنلفة في الشرق و في الغرب، هذا الإنفتاح ذودهم بنظرة إنسانية عالمية، ظهرت لديهم في هذه النزعة الشمولية في العقيدة وزودتهم بهذا التسامح الفكري الذي عرفناه من قولهم بأنهم لا يعادون علماً من العلوم.

أعتقد أن عليكم جميعاً قراءة جميع رسائل إخوان الصفا و ليس فقط ما قمنا بكتابته في هذه المقالات، فما قاموا بكتابته يعتبر تراث يجيب علينا جميعاً دراسته و المحافظة عليه.

في المقال القادم سنقوم بتوضيح الفلسفة الخاصة بالتطور لدى ( أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني )، و قد وصل البيروني إلى أشياء لا تقل قدراً عن إخوان الصفا .. 
لنا لقاء. 
 

إذا أعجبك الموضوع شاركنا بتعليقك ونشر الموضوع

50
0
50 shares

What's Your Reaction?

Angry Angry
1
Angry
Cute Cute
1
Cute
Fail Fail
0
Fail
Geeky Geeky
0
Geeky
Lol Lol
1
Lol
Love Love
1
Love
WOW WOW
2
WOW
Win Win
0
Win
WTF WTF
0
WTF

Your reaction

NICE
SAD
FUNNY
OMG
WTF
WOW

التعليقات 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إخوان الصفا : تأملات فلسفية حول تطور الحيوانات (الجزء الثاني)



OR


Note: Your password will be generated automatically and sent to your email address.

Forgot Your Password?

Enter your email address and we'll send you a link you can use to pick a new password.

log in

مرحبًا بك - قم بتسجيل الدخول

ليس لديك حساب؟
sign up

reset password

إعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك

الرجوع إلى
log in

sign up

انضم إلينا الآن

الرجوع إلى
log in

Choose post type

News Image List Video
اختر نوع الموضوع الذي تريده ..
مقال
قم بكتابة موضوعك من هنا.
قائمة
اضغط هنا لتقوم بنشر قائمة من المعلومات القصيرة.